بلاك ووتر..أشباح جديدة في المستنقع القديم

توقع الكثير من المراقبين أن يبدأ العراق الشقيق مرحلة مختلفة في عام 2010، بعيداً عن مسيرة الدم والبارود، التي خاضها منذ احتلاله، غير أن هذه التوقعات لم يمتد أمامها المجال، حيث تعرضت لاختبار لا يمكن الاستهانة بقدرته على إثارة الفوضى في خارطة التوقعات.

هذه التوقعات دارت حول مجموعة مهمة من النقاط، يمكن أن نرصد في مقدمتها ما يلي: أولاً ـ على امتداد العام، ستتابع أنظار العالم التطورات المتعلقة بانسحاب القوات الأميركية، بغض النظر عن تعثر البرنامج الزمني لهذا الانسحاب، أو انطلاقه في مساره، المهم أنه سيكون موجوداً.

ثانياً ـ أياً كانت نتيجة الانتخابات المرتقبة في مارس المقبل، فإنها لا بد أن تقترن بمجموعة مهمة من التطورات في الحياة السياسية العراقية، حقاً أنها قد تواكبها موجة من العنف، ولكنها في النهاية ستسفر عن قسمات سياسية واضحة، يمكن التعامل معها. ثالثاً ـ لا بد لهذا كله من أن يترك بصمته على العلاقات العراقية بدول المنطقة، فالدول العربية ستجد في الغالب أنها لا تستطيع مواصلة الجمود في علاقاتها مع بغداد، وبالتالي ستسعى إلى التوصل لصيغة إيجابية من نوع مالهذه العلاقات، وتركيا يبدو أنها مرشحة لتطوير كبيرلعلاقتها مع بغداد.


رابعاً ـ على الصعيد الاقتصادي، لا بد لانحسار التردي الأمني أن يقترن بفتح المجال للحراك الاقتصادي، خاصة وأن عمليات ترسية مشروعات تطوير القطاع النفطي لم تبتلعها الشركات الأميركية، في نهاية المطاف.


هذه الصورة الإيجابية بوجه عام لتوقعات المستقبل القريب في العراق يبدو أنها لم تصمد طويلا، فمن مستنقع شركة بلاك ووتر الأمنية القديم برزت أشباح جديدة، لتعيد الجميع بضراوة إلى أرض واقع مرير، حافل بعناصر التمزق الحقيقي.


لقد أصدر القاضي الفيدرالي الأميركي ريكاردو أوربينا حكمه بإسقاط التهم الموجهة إلى خمسة من حراس الشركة، التي تحمل الآن اسم «إي إكس سرفسز».


بقتل 17 عراقيا في إطار مذبحة وحشية، شهدتها ساحة النسور، وذلك من منطلق أنه لا يمكن اتخاذ الاعترافات التي أدلى بها هؤلاء الحراس لمسؤولي الخارجية الأميركية أساسا لإدانتهم، لأن الحصول عليها منهم يعد انتهاكا لحقوقهم الدستورية.


دعنا نسجل أن الحكومة العراقية بادرت إلى الاحتجاج على الحكم، وأعلنت أنها ستبادر إلى استئنافه ورفع دعاوى على الشركة في الولايات المتحدة والعراق، ولكن دعنا نتذكر أيضاً أن هذه الحكومة هي نفسها التي سلمت الحراس الخمسة للسلطات الأميركية.


بينما كان يمكنها أن تحاكمهم أمام محاكم عراقية، ولنضف إلى قائمة ما نتذكره أن الرجال الخمسة انتهكوا قواعد الاشتباك التي تضمنها أمر إداري صادر عن بول بريمر الحاكم المدني الأميركي في العراق الذي وفر لهم الحصانة، كما أنهم فتحوا النيران على العراقيين بلا سبب.


غير أن النظر إلى هذه المسألة ينبغي أن يوضع في إطاره الكلي، وليس في دائرة الحكم الأميركي وردود الأفعال عليه، وبالتالي لا بد من أن يؤخد في الاعتبار ما يلي:


أولا ـ يبدأ كل ما يتعلق بهذا الموضوع من التطبيق الأميركي لمفهوم «الثورة العسكرية».


الذي اقترن باسم وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد، والذي يشدد على أن بالإمكان تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأميركية على امتداد العالم بأقل حشد للقوة البشرية مع التصعيد الهائل لوسائط النيران والتقنية واللجوء إلى أسلوب خصخصة الحرب،عبر تعهيد الخدمات المقدمة للمؤسسة العسكرية.


ومن هنا يتاح لنا فهم السر في أنه في عام 2009 كان المتعاقدون المنتمون للقطاع الخاص يشكلون 48% من قوة العمل التابعة لوزارة الدفاع الأميركية في العراق و57% في أفغانستان.


ثانياً - تؤكد تقارير عراقية أن عدد الشركات الأمنية الخاصة في العراق وصل إلى 172 شركة، ثم تراجع هذا الرقم إلى 78، من بينها 24 شركة أجنبية.


ثالثاً ـ هذا المستنقع الوحشي، الذي تشكله شركة بلاك ووتر، ماكان يمكن إلا أن تنصب عليه الأضواء، مع انفجار فضيحة أرباح شركات الصناعات الأمنية الأميركية، التي بلغت 100 مليار دولار.


حيث حصلت الشركة على جزء كبير من هذه الأرباح ابتداء من عام 2003 مع حصولها على عقد حماية بول بريمر الذي انتهى عهده بـ «اختفاء » تسعة مليارات دولار من أموال إعادة إعمار العراق دون وجود وثائق تدل على أوجه صرفها. وقد ارتكب رجال الشركة مابين عام 2003 وطردهم من العراق في عام 2007 سبع جرائم قتل جماعية تعادل في ضراوتها ما جرى في ساحة النسور.


رابعاً ـ لا تزال الشركة تحت اسمها الجديد، إي إكس سرفسز، تواصل تقديم خدماته للقوات الأميركية في أفغانستان وفي العديد من دول العالم، جنبا إلى جنب مع عدد كبير من الشركات المناظرة، ومن بينها شركة «كي بي آر» التي تشغل بشكل مباشر 17 ألف رجل في العراق حاليا.


ويبقى القول إنه ربما كان الجانب الإيجابي الوحيد في الحكم الصادر على رجال بلاك ووتر أنه ألقى الضوء مجددا على وجود جيوش احتلال أميركية موازية، يرتدي رجالها الزي المدني، ويحملون صفة المتعاقدين، التي هي تعبير آخر عن صفة المرتزقة، التي تلقي بظلالها الوحشية على امتداد جانب كبير من أرجاء العالم.


* نقلا عن "البيان" الإماراتية

 

Share/Save/Bookmark
المزيد من مشاركات هذا العضو:
Comments
أضف جديد بحث
+/-
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
الموقع الالكتروني:
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
 
Please input the anti-spam code that you can read in the image.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث (السبت, 16 يناير 2010 07:14)